نورالدين علي بن أحمد السمهودي

59

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

عن طعن الجن فيهيج به الدم في البدن فيقتل ، فهذا لم يدخل المدينة قط . قلت : نقل الزركشي عن القرطبي أنه فسر الطاعون بالموت العام الفاشي ، وهو صريح في أنه أراد ما فهمه عنه الحافظ ابن حجر ، ويرده قوله في الحديث المتقدم « حتى إذا كان قريبا من المدينة ببعض الطريق أصابه الوباء فأفزع الناس » فإن المراد فيه بالوباء الطاعون المعروف بعلاماته عندهم ، وإلا فموت الشخص الواحد لا يفزع ولا يسمى موتا عاما ، ويبعد جعل الموت العام بمجرده شهادة ، وقد أخبر بعض الأولياء بمشاهدة الجن يقظة يطعنون الناس في بعض سني الطاعون ، ورأيته أنا كذلك مناما ، ورأيت أن بيني وبينهم حائلا ، فحماني الله منه في تلك السنة ، على أنه لو سلّم أن المراد ما ذكره القرطبي فالإشكال المتقدم باق ؛ إذ يقال : لم لم يكثر بالمدينة وهو رحمة ؟ فالحق ما قدمناه ، وهذا - كما قال بعضهم - من المعجزات العظيمة المستمرة التي هي من أعلام نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم لأن الأطباء بأجمعهم قد عجزوا عن دفع الطاعون عن بلد ما في دهر من الدهور . وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة ، مع أنه يقع بالحجاز الشريف ، ويدخل قرية الينبع وجدة والفرع والصفراء والخيف وغير ذلك من الأماكن القريبة من المدينة ، ولا يدخلها هي كما شاهدنا ذلك في طاعون أواخر سنة إحدى وثمانين وثمانمائة مع أوائل التي بعدها ؛ فإنه عم أكثر الأماكن القريبة من المدينة ، وكثر بجدة ، واختلف في دخوله مكة ، والذي تحققناه كثرة الموت بها في ذلك الزمان ، وكثرت الحمى بالمدينة ، لكن لم يكثر بها موت ، وبالجملة فهي محفوظة منه أتم الحفظ ؛ فلله الحمد والمنة . الفصل السادس في الاستشفاء بترابها ، وبتمرها ، وما جاء فيه ما جاء في أن ترابه شفاء روينا في كتاب ابن النجار والوفاء لابن الجوزي حديث « غبار المدينة شفاء من الجذام » وفي جامع الأصول لابن الأثير وبيّضا لمخرجه عن سعد رضي الله عنه قال : « لما رجع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من تبوك تلقاه رجال من المخلّفين من المؤمنين ، فأثاروا غبارا ، فخمر - أو فغطى - بعض من كان مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أنفه ، فأزال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم اللثام عن وجهه ، وقال : والذي نفسي بيده إن في غبارها شفاء من كل داء » قال : وأراه ذكر « ومن الجذام والبرص » وقد أورده كذلك رزين العبدري في جامعه ، وهو مستند ابن الأثير في إيراده ، قال الحافظ المنذري : ولم أره في الأصول .